الخميس، 22 أبريل 2010

يوم رائعٌ للموت، انتحار المثقف


“لحظة انفصلت قدماه عن الحافة انتابه الشك في قراره الأخير، لم يعد متأكداً منه كما كان منذ أقل من ثانية، فعلى الأقل لم يكن يعلم أن مشهد الفراغ الممتد من مكانه إلى غاية الرصيف سيؤثر على قلبه مثلما يفعل الآن، فيجعله ينبض نبضات متسارعة تكاد تمنع عنه الهواء
((هل أنا خائف؟)) “[1]
قد لا يكون السؤال الأهم كيف يفكر مثقف في الانتحار؟ بقدر الذي يفكر فيه لحظة انفصلت قدماه عن حافة البناء! في ماذا يفكر المنتحر؟ وهل حقاً يمر شريط حياته/ ذكرياته أمامه كفيلم سينمائي؟ وأي هذه الأحداث سيطفوا على السطح أولا؟!
يقدم الروائي الجزائي سمير قسيمي استعراضاً لما يدور في ذهن صحفي شاب “حليم بن الصادق” لحظة إقدامه على الانتحار بإلقاء نفسه من أعلى عمارة، وقد اختار حليم لنفسه “يوم رائع للموت” كما عنون الكاتب بهذا اسم روايته الصادرة عن الدار العربية للعلوم والنشر. يحاول الصحفي الشاب أن يضع حداً لحياته التي لم يختر أي شيء فيها، فيقرر الموت في اليوم الذي يحدده وبالطريقة التي يختارها فـ”يجعل لحظة موته قراراً يتخذه بنفسه”.
شخصية حليم تصور شخصية المثقف الشاب الذي يصدم بالحياة الغير عادلة حيث كل شيء مزيف وينشأ في وسط فاسد تقوده غرائزه، إلا أنه رغم ذلك يحمل بعضاً من الشاعرية في أفكاره ويظهر حالماً إلى حد يرى في الموت انتصاراً على واقعه وتخليداً لذكراه، فعمد هذا المثقف “الجرنالست” إلى كتابة رسالة لنفسه يشرح فيها الأسباب التي دعته للإنتحار ويرسلها، ثم يحدث نفسه ويتصور خبر انتحاره في الصحف في اليوم التالي، وكيف ستعود قصته مرة أخرى للصحف حين تصل رسالته بعد أيام “وكأنها رسالة بعثت من قاع القبر، حملت على أجنحة الموت”.
المميز في الرواية هي الطريقة التي عرض فيها الكاتب ما يفكر به حليم خلال الثواني العشر الفاصلة بين بداية سقوطه إلى ارتطامه المُقَّدر، وخلال هذه الثواني العشر تظهر للقارئ ذكريات حليم ومشاعره وأفكاره متناقضة لحد تجعلها أحياناً غير واقعية أو مبالغ في تخيلها-كأن يستغرب ضخامة بطنه حين يرى جسده بالمقلوب-، يتذكر حليم في هذه الثواني أهم الأحداث في حياته البآئسة التي ارتبطت بعدد من الشخصيات التي تظهر في الرواية تباعاً بعدد من فصول، فتروي هذه الشخصيات من منظورها الخاص قصة خيباتها التي تصادف ارتباطها بجزء من حياة/ خيبة حليم.
تحتوي الرواية بين سطورها على حس ساخر، فحين يكون قرار حليم الأول في حياته هو إنهاء هذه الحياة! تظهر للقارئ شخصية “نبيلة” خطيبته السابقة، وتحكي كيف تعرفا ثم تحكي كيف انفصلا وهي بسخرية تبتعد صفحة إثر صفحة عن معاني اسمها، كما يظهر والد حليم ثم يظهر عمار صديقه/ النقيض له في كل شيء، فيحيك الكاتب هذه الشخصيات ويخلق ببراعة الأجواء والأماكن والشخصيات الهامشية التي ستلعب دوراً هاماً حين تشارف الرواية على الانتهاء، حيث يلعب الكاتب بمفتاح الصدفة ليجمع هذه الشخصيات ليشهدوا سقوط حليم الانتحاري، وبدقة يختم الكاتب روايته بطريقة غير متوقعة حين تتسارع الأحداث في الثواني/الصفحات الأخيرة فيصنع الكاتب منها دهشة تؤكد على براعة الكاتب.
أعجبتني هذه الرواية لاحتواءها على الحس الساخر الذي يظهر بصورة غير مباشرة في بعض الأحداث، والاستخدام المتزن للهجة الجزائرية في بعض الحوارات، كما شدني تصوير الرواية لمجتمع طاهر العلن يعشعش فيه فساد خفي في شخصيات تدعي الطهر وبينما تجاهر شخصيات أخرى بفسادها فاقدة معاني الحياء، حليم شخصية مثقفة لم يتحمل واقعه فقرر الخلاص منه، فيأخذنا في رواية قد تحبس أنفاس القارئ ليجد أنه يحمل بين يديه وجعاً يومياً حضر فيه ذكاء الكاتب بشكل قوي وملفت، فلا نتعجب دخول هذه الرواية في القائمة الطويل لجائزة بوكر العربية 2010.
إيمان فضل – مسقط
[1] عن رواية "يوم رائع للموت" لـ سمير قسيمي

السبت، 3 أبريل 2010

الثقافة وبيضة الدجاجة

الثقافة وبيضة الدجاجة

"ملاحظة: نشر هذا المقال في جريدة الشبية ملحق آفاق بتاريخ31 مارس، وكذلك في صحيفة سبلة عُمان بتاريخ 2 إبريل، إثر فوزه بالمركز الثاني عن فئة المقال في مسابقة المنتدى الأدبي للعام 2009م "

"يحكي الدجاج الأصيل عن سر الدجاجة الأولى والبيضة الأولى في التاريخ ويقول: إن الدجاجة الأولى استفاقت استفاقتها الأولى على صوت تكسر بيضة تحتها، وبهذا لا يذكر أحدهم أيهم جاء أولاً".
قد أصبح البحث عن ماهية الثقافة وتعريف المثقف لدي البعض أشبه بالبحث عن مَن وُجِدَ أولاً البيضة أم الدجاجة؟ ويأخذنا البحث عن تعريفات الثقافة من معاجم اللغة بـ ثَقِفَ من العلم والمعرفة إلى تعريف المثقف كالعالم بالشيء أو العارف به، إلا أن المتأمل لتطورات العالم من حوله يدرك يقيناً أن تعريفاً كهذا لم يعد يكفي، تغنيك الآن نقرات على لوحة مفاتحيك لِـ"تَعرف".
ذهب البعض إلى تعريف مطاطي للمثقف يقرر فيه أن "كلٌ مثقف في مجاله" إذ ربط الثقافة بالمعرفة والعلم المكتسب في الجامعات أو العلم الموروث والمكتسب بالتجربة في مجال معين، فيمكننا بناء على هذه التعريف أن نقول أن مهندس النفط مثقف في مجال عمله وكذا راعي الأغنام مثقف في غنمه، ويجعلنا هذا التعريف نضم جميع فئات المجتمع تقريباً مستثنين الأطفال! تجبرني مطاطية هذا التعريف إلى الاعتراف الساخر بثقافة المتسول العارف والعالم بطرق وأساليب التسول الناجحة، فيطفوا السؤال على سطح الاستفهام، ما الذي يميز عارفاً عن عارف؟ أو لنقل ما الذي يميز المثقف عن العارف بالشيء المدرك له؟
يميز إدوارد سعيد المثقفين في محاضرته "صور المثقف" حين قال:" المثقف وهب مَلَكَة عقلية لتوضيح رسالة، أو وجهة نظر، أو موقف، أو فلسفة، أو رأي، أو تجسيد كل هذه، أو تبيانها بألفاظ واضحة، لجمهور ما، وأيضاً بالنيابة عنه"
[1] وهذا التعرف-الوصف ربط بين خصائص وصفات المثقف وبين دوره في المتجمع، فالمثقف الحقيقي هو صاحب موهبة وملكة عقلية مميزة وشخصية ناقده تتمتع بحس نقدي يراهن عليه، وهو في ذات الوقت صاحب رسالة وفلسفة، لا ينقد لمجرد النقد وإثارة ركود الماء حوله بل ينقد؛ لأنه يحيا بفكرة ولديه رسالة يوصلها للمجتمع وحكامه، إذ لا يتقصر دور المثقف في الشعوب على إظهار إبداع فكري أو فني وغيره بل يتعداه إلى فكرة سامية من خلال هذا الإبداع والنقد بنية التطوير والتغير، وقد ظهرت أدوار المثقفين الحقيقيين في الثورات التي كانت تقاد على أفكارهم وتبث خلالها فلسفاتهم.
كثيراً ما يصبح دور المثقف في الحروب والثورات لسان الشعب الناطق الفصيح، الذي يدفع عنهم الظلم ويفكر بصوت عالي لهم وعنهم، تحدث هذه الشخصية عظيم الأثر في المتجمع إذا ما وصلت إلى منابر الإعلام ووفرت لها طرق وأساليب إيصال أفكارها للشعب، وكلنا يذكر وزير الإعلام العراقي السابق في حرب العراق وكيف كانت كلماته ترن في كل بيت وتقلب موازين الحرب النفسية أيضاً، ذهب البعض بضم شخصية روبن هود
[2] إلى قائمة المثقفين إذ كان لساناً ويداً لشعبه ضد الظلم والجور الواقع عليهم –وإن اختلفنا في مدى صحة طريقته-، فربط المثقف بهموم الشعب يقلق بعض الأبراج العاجية للمثقفين.
المتابع للحراك الثقافي في عُمان يجد الفجوة التي تكونت بين الشعب والمثقفين، والتي للأسف أخذت تتسع بتزايد عدد خريجي الجامعات – المثقفين في مجالهم- وتأثر عدد من الكتاب المتأثرين بالأدب الغربي حتى صار نتاجهم غريباً على شعبهم، وفقد الشعب المثقف الفعلي صاحب الرسالة التي يعمل عليها لأجلهم ومن خلالهم، لا ننكر أن الفعل الثقافي في عُمان جاء متأخراً مقارنه بدول عربية أخرى، لكنه لا يبرر غياب الدور الفعال للمثقف، ويبقى المثقف الموظف الذي يحصل على لقمة عيشة من العمل الثقافي كالصحفي وكتاب الأعمدة بين نارين، نار الإبداع والحس النقدي المسكون بداخله ونار التقيد بقوانين وأنظمة تفرضها عليه وظيفته، وتندر أمثلة المثقف صاحب الرسالة الساعي وراء فلسفته، كل هذه ساهم في تعميق الفجوة بين المثقف "صوت الشعب" وبين الشعب الذي أصبح في أحيان كثيرة مادة للنقد لمثقفين يفترض بهم أن يصبحوا صوته وأن يأخذوا بيده لسمو فكره.
في حين أخرجت لنا التكنوجيا الحديثة بعصر الإنترنت فئة جديدة من المثقفين، وهم كتاب الإنترنت في المنتديات الإلكترونية والمدونات التي انتشرت في الآونة الأخيرة، واستبدلها البعض بالصحف المحلية مع قهوته الصباحية، وقد تحرر هؤلاء الانترنتيون من قيود المثقف الموظف وتجاوزوا قيد الارتباط بلقمة العيش المرهونه بنتاجهم الفكري، إلا أن اكتسابهم لثقة المجتمع تأخر بسبب تستر البعض في الأعوام الأولى خلف أسماء وألقاب مستعارة ساهمت في تعزيز الافتراضية واللاوقعية التي تقوم عليها مدن الإنترنت، عادة ما تحمل هذه الأسماء المستعارة محاولة من أصحابها إلى لفت النظر إلى قيم ومعاني يؤمنون بها كـ
[3]"fact sound" أو إلى رسالة يسعون إلى إيصالها.
حصلت السنوات الأولى من عمر منتدى كسبلة العرب
[4] مثالاً على توجس المجتمع تجاه مثقفين مجهولي الهوية يجمعهم عالم إفتراضي، كان ارتباط أطروحات كتابة -الافتراضيين- بالمجتمع وهمومه سبباً في انحسار هذا التوجس والتخوف من كتاب الإنترنت، لا يمكننا أن ننكر الإحساس بالهوية العمانية والروح العمانية التي تطل بها المنتديات في ظل غيابها في الضفة الواقعية، لتكسب –إن فرضنا سباقاً- بذلك المنتديات نقطة مهمة وحيوية في الفعل الثقافي.
رغم عدم وجود دور واقعي ملموس للمثقف الانترنتي في الفترة الأولى إلا أن ثقة المجتمع به أخذت تتكون بسرعة في السنوات الثلاث الأخيرة، ونرى فيها سعي عدد من الإنترنتين إلى إخراج فلسفاتهم وأفكارهم إلى أرض الواقع، فمنهم من نزع عنه قناع الاسم المستعار
[5]، ومنهم من خرج للمجتمع بأنشطة وفعاليات كحملة المدونين لتوعية بانفلونزا الخنازير[6]، كان هناك من جمع بين الفريقين بمشاركته في الفعل الثقافي بالصحف والفعاليات الثقافية وبين عالم الإنترنت[7] الذي كان له دور بارز في الجانبين.
كم هي مؤسفة ردة الفعل الإعلامية تجاه مثقفي الإنترنت، سواء أصحاب المنتديات منهم أو أصحاب المدونات والمواقع الشخصية، فحينا نرى الإعلام يصرح بأنهم مجرد أقنعة، وحينا يصرح بأنهم ضروريون لخلفية حياتهم، ونرى الآخر يصف كتاباتهم بكلام الشوارع، في حين تمنيت أن أرى احتضان إعلامي لهؤلاء المثقفين الذين تحرروا من قيود المثقف الحكومي أو المثقف الموظف الذي برغم كل شيء لا يستطيع أن يكون مستقلاً، إشكالية استقلالية المثقف هي إشكالية قديمة نجد أن الإنترنت قدم حلولا مثالية للتخلص منها فأعطى الروح لكاتب الإنترنت الذي وجد المنفذ الإعلامي الفعال الذي يوصل صوته لأبعد مما يحلم به المثقف الموظف!
عُمان هذا الوطن الكريم بحاجة إلى صوت المثقف الحقيقي الساعي وراء قضايا الناس، المثقف الذي يعرف قيمة السيفين والخنجر ويعرف المدينة الفاضلة العمانية التي يحلم بها كل عُماني، بداخل لكل منا شيء يُخّبِرُ عن هذا عُمان الحلم شيء يحكي له عن أحلام وأفكار لهذا الوطن، لكن وحده المثقف الحقيقي العماني هو الذي يستطيع أن يحكي للناس أحلامهم ويقودهم بفكره إليها، ومن الأمثلة الواقعية هي دعوة علي الحبسي
[8] للجمهور العماني بأن يقف بجانب المنتخب الوطني، وقد أحدثت هذه الدعوة عبر وسائل الإعلام عظيم الأثر في تفاعل الشعب العماني مع المنتخب بعدها، رغم أن الجميع يدرك أهمية دعم الجمهور للرياضي إلا أنه الحسبي كان الرياضي الوحيد الذي قام بدور من أدوار المثقف وبث رسالته عبر الوسائل الموجودة لديه، هكذا يقف المثقف ويرسل رسائله وأفكاره وفلسفته لمجتمعة.
أميل لتلك الأقصوصة الصغيرة التي أسعفني بها قلمي عن استفاقة الدجاجة الأولى وبيضتها الأولى، إذ أن البحث عن ماهية الثقافة أشبه بالبحث عمن وجد أولاً البيضة أو الدجاجة، وقد يستمر البحث لأجيال تمارس الفعل الثقافي وتبحث في ذات الوقت عن تفسير لمعنى الثقافة، ختاماً يأسرني جوليان بندا حين يقول إن المثقفين هم "عصبة صغيرة من الملوك الفلاسفة" فكل مثقف مَلك.

بقلم : إيمان فضل


[1] صور المثقف، إدوارد سعيد، ص 28
[2] تمثل أسطورة روبين هود في العصر الحديث شخصا قام على سلب وسرقة الأغنياء وإطعام الفقراء، بالإضافه لذلك حارب روبين هود الظلم والطغيان. http://ar.wikipedia.org/wiki/روبين_هود
[3] Fact sound هو الاسم المستعار الذي بدأ به المدير العام لسبلة عمان حالياً- موسى الفرعي- المشاركة في سبلة العرب وسبلة عمان.
[4] سبلة العرب هو أول منتدى عماني، وقد تم إغلاقه إثر قضية رفعت ضده.
[5] منهم موسى الفرعي الذي كان يشارك باسم fact sound و حمد الغيثي وكان يكتب باسم دوتشي وكانت لهم مشاركات في عدد من المواقع.
[6] تعاون عدد من المدونين على إقامة حملة للتوعية بانفلونزا الخنازير وتقديم عدد من المعقمات والكمامات في الأماكن العامة منهم حشر المنذري ومعاوية الرواحي.
[7] شارك الشاعر إبراهيم السالمي في سبلة العرب باسم الرجل الضرب لعدة سنوات ويشغل حالياً مستشار إدارة سبلة عُمان وهو أحد الأعضاء البارزين في جمعية الكتاب، وكذلك نشد تواجد للشاعرة عائشة السيفي وغيرهما.
[8] على الحبسي – حارس المتتخب الوطني.

الاثنين، 29 مارس 2010

الطريق الطويل، أن تكون الضحية والظالم معاً !


إذا كنت تبحث عن رواية تصيبك بالذهول فهذه الرواية هي الخيار الأمثل، الطريق الطويل مذكرات صبي مجند لكاتبها إشميائل بيه، أضم هذا الكتاب إلى قائمة الكتب القليلة التي تهز القارئ من الداخل وتترك فيه ندبة قرائتها، قلة هي تلك الكتب التي تدخلك في عالمها بكل ما فيها من مشاعر وأفكار وهذا الكتاب هو واحد من تلك الكتب النادرة التي لا تتكرر.
لم يكن إشمائيل بيه سوى فتى في الثانية عشر عندما لسعته الحرب في سيراليون[1] بأول شرارة يذكرها، وقتها لم يكن يعرف عن الحرب سوى ما يذكر في نشرات الأخبار، هذا هو حال سكان البلدان الآمنة، فتبدوا الحرب وكأنها فيلم سينمائي نراقبه من خلف الشاشات، هكذا بدت الحرب لإشمائيل بعيدة كأحداث فيلم، لم تكن وفود اللاجئين الذين مروا بقريته كافية لأن تغير نظرته للحرب –كشيء بعيد- رغم كل ما رآه في أعينهم إذ “كان من الواضح أنهم رأوا شيئاً تسبب في حالة الذهول التي تتملكهم[2]“، هكذا بدأ إشمائيل بيه روايته مذكراته، التي صدرت ترجمتها عن دار الشروق.
تتناول المذكرات مشاهد وأحداث من حياة إشمائيل في الفترة بين يناير 1993 إلى 1997، وهي الفترة الزمنية التي صادفت انتقال عدوى الحرب من بليبريا إلى سيراليون، يروي إشمائيل فيها حكاية صراعه من أجل البقاء حياً، فقضى أشهراً في الغابة يحاول البقاء حياً وحيداً، ويأكل من نباتات لا يدي إن كانت سامة أم لا، فيتذكر عائلته والحياة السعيدة التي عاشها، ويروي بعضاً من قصص جدته، كما ينقل في مذكراته معاناة مجموعة أطفال التقى بهم وجمعتهم محاولة البقاء على قيد الحياة فروى على لسان أحدهم” في كل مرة يأتي أناس إلينا وهم عازمون على قتلنا كنت أغلق عيني وأنتظر الموت. ورغم أني مازلت حياً، أشعر في كل مرة أسلم فيها للموت وكأن جزءاً مني يموت”[3]
كان خروجه من المنزل عادياً مع شقيقه وصديق لهما قاصدين مدينة مجاورة للاشتراك في حفل لاستعراض المواهب ويذكر الكاتب حينها، “لم نودع أحداً ولم نخبر أحداً إلى أين نحن ذاهبون. لم نكن نعلم ونحن نترك ديارنا أننا لن نعود إليها أبداً[4]“. يحكي إشمائيل عن حياة المراهقين واهتماماتهم في سيراليون، كانت موسيقى الراب شائعة في ذلك الوقت وتسابق الشباب في حفظ كلماتها وأدائها راقصين، كانت الحياة طبيعية وجميلة، رغم أخبار الحرب التي كانت تتردد، كأن الجميع أجمع على رفض الاعتراف بقدوم الحرب فعاشوا حياتهم اليومية غير مبالين بأخبار الحرب.
رغم موضوع الرواية الأساسي وهي الرواية عن الحرب إلا أن اشمائيل استطاع أن يعطي صورة جيدة عن الحياة في سيراليون، فقد تكلم عن حجاب جده وكيف أنه صنعه له كي لا ينسى شيء من العِلم! وتكلم عن الإسلام والصلاة في المساجد هناك، ولم يخفي بعض الأقوال الجميلة التي يرددها كبار السن، كـ”لا بد أن نتطلع لأن نكون مثل لقمر” التي كان يكررها عجوز في كاباتي و”هو مثل يراد به تذكير الناس بأن يلجأوا دائماً في تصرفاتهم إلى أفضل السلوكيات، وأن يكونوا مهذبين مع الآخرين”[5] هكذا شرحت جدة إشمائيل هذا المثل له، واستعاده الكاتب وهو يصارع واقعه المحارب، أيام قليلة مضت كانت الحياة هانئة أنيسة.
لم تتوقف معاناة إشمائيل عند الهروب من الحرب ومحاولة البقاء على قيد الحياة فقط، إنما صادف أن طلبت السلطات تجنيد كل من يستطيع حمل السلاح في إحدى القرى للمشاركة في الحرب، ضُم اشمائيل ورفاقه إلى المجندين، تم تدريبهم على حمل السلاح واستخدامه وحقنوهم بالحقد والكره، قيل لهم أنها فرصتهم للإنتقام! “أهذه هي الطريقة التى تطعن بها شخصاً قتل عائلتك؟[6]” لم تكتفي القوات بحقنهم بالحقد بل راحوا يزودونهم بالمخدرات كالكوكايين والماريجوانا لإبقائهم بأعلى نشاط ويقضه ممكنة أثناء المناورات والمعارك، وهكذا تحول إشمائيل من هارب من الحرب إلى جزء منها إلى أن أنقذته اليونيسيف مع مجموعة مع رفاقه لإعادة تأهيلهم وعلاجهم من المخدرات وآثار الحرب في نفوسهم، كان اشمائيل وقتها في الخامسة عشر من عمره، حين تم دمجه في المجتمع وقرر بعدها الهجرة إلى الولايات المتحدة حين درس وتخرج وأصبح عضواً في اللجنة الاستشارية لحقوق الإنسان في قسم مراقبة حقوق الطفل.
أن تكون فتى في الثانية عشر بدولة كسيراليون المطلة على المحيط الأطلنطي في زمن الحروب الأهلية هي حكاية إشمائيل، أن تكون المظلوم في حرب لِمَ أتت على قريتك وأهلك وفرقت كل أصدقاءك هي أيضاً حكاية إشمائيل، وأن تكون الظالم دون أن تدري محموماً بالإنتقام هي أيضاً حكاية إشمائيل، وأن تعرف أنك خُدِّرتَ لتصبح آلة حرب لمصالح كبرى دون أن تدري هي مذكرات هذا الصبي المجند.

لـ : إيمان فضل
الصورة والموضوع من سبلة عُمان، الصحيفة الإلكترونية

الثلاثاء، 23 مارس 2010

بابانويل في يوم الشعر!!

بابانويل في يوم الشعر، !!

بابانويل يا رفاق يدور حول الشمس، ولأن الغزلان لم تتحمل حرارة شمس مسقط، فقد شهدنا في الأمسية كيف يكون الشِعر حين يُغشى على غزلان بابانويل بسبب الحرارة في مسقط الفستقية العيون! لم يوزع بابانويل الهدايا لم نفرح لم نشعر بشيء لم نبكي لم نضحك لا شيء!

أتعرفون لماذا؟ لأن بابانويل يأتي ليلاً فقط في الخرافة وحين تُفتعل القصيدة وتجبر إجباراً على الرقص على أنغام بيانو تصبح القصيدة قطعة ثلجٍ بلا رائحة بلا إحساس!

حضرت الأمسية وليتني لم أفعل!

الشعر شعور –في نظري البسيط- فخرجت متلبدة المشاعر، آسف لأني لم أستطع فَهم القصائد ولا تخيل بابانويلكم!

للحقيقة فقط أجادت عائشة السيفي في بعض قصائدها وكانت تقطعة السكر التي منعت طفلاً من البكاء!

لم استطع أن أصفق، لم ابتسم لم أحزن لم أغضب لم أشعر الشعر!! هل أصبحت كائنا فضائياً؟! هل من علاج لحالتي أم أنني لست الوحيدة!!!

أمطري يا سماء!

كفاني هذا ولم أكمل الجزء الثاني الغير رسمي من الأمسية!

لا أنسى للأمانة أيضاً... المكان جميل، التنظيم جيد، أتمنى أن تقام أمسيات أخرى هناك

لمعلومات حول الأمسية

http://www.omania2.net/avb/showthread.php?t=706825


الثلاثاء، 2 مارس 2010

وللكتاب الأول سحرٌ لا فلاة منه

اكتشفت متعة القراءة في سنواتي الأخيرة بالمرحلة الابتدائية، وقد جاء اكتشافي متأخراً جداً! شكرت مجلة ماجد -في سري وعلاناً الآن- لأنها أصدرت سلسلة أيام عربية، هي رواية قصصية مبسطة للأطفال لأشهر أيام العرب - منها يوم ذي قار ويوم الحارث- قدمها الكاتب الكبير محمد المنسي قنديل بأسلوب سهل وبديع، استطاع المنسي أن يأسر تلك الطفلة الصغيرة التي تنقلت بين الكتابين كطفلة تذوق الحلوى للمرة الأولى في حياتها! رغم أن سلسلة أيام عربية صدرت عن مجلة ماجد مستهدفة الأطفال، إلا أني مازلت أنصح صديقاتي بالاطلاع عليها وأحتفظ بها، للكتاب الأول سحر لا فلاة منه!كتابي الأول كان مدخلاً إلى عالم القصص السحري، كل ما سبقه لم يعد يحفر في ذاكرتي الكثير، ما زلت أذكر كيف كنا - أنا وشقيقي وأبي ـ نذهب مشياً إلى أقرب مكتبة صباح الخميس لشراء مجلة ماجد - طبعاً بعد كتابة الواجب والمراجعة!!- رغم أن مجلة ماجد دخلت المنزل مبكراً إلا أنها لم تترك بذاكرتي ذلك الأثر الكبير، في حين كانت قصص مجلة زهرة الخليج التي يحكيها لنا والدي قبل النوم أهم من ماجد الملونة المصورة وكل ما فيها! -استثني من هذا متعة البحث عن فضولي- جذبتني كطفلة في سن صغيرة القصص المحكية سواء من كتاب أو مجلة أو من التراث الشعبي كحزايات (القصة في اللهجة الدارجة في ظفار) جدتي، جاء المنسي قنديل وأنساني كل هذا مما يجعلني ألتفت إلى سلسلة أيام عربية كالاكتشاف الفعلي لمتعة القراءة! لذا لم تدرك معلمة التاريخ سر شغفي بالتاريخ الذي أصبح - في مفهومي الطفولي- حصة للقصص!الأطفال في تلك السن كانوا يعيدون اكتشاف الجاذبية الأرضية باللعب بالأحجار، ويعيد البعض اكتشاف النار! كل ذلك لم يكن يعنيني وقتها فقد كنت أعيد اكتشاف القراءة وكانت اكتشافاً باهرةً جداً!كنت ابحث دوماً عن دهشة الكتاب الأول، عن دهشة الاكتشاف ومتعة المعرفة، تنقلت في قراءاتي بين ديوان إيليا أبو ماضي ومجموعة لنجيب محفوظ، قرأت الكثير عن الفراعنة وقصصهم المبسطة للأطفال، قرأت لأبي القاسم الشابي، وقرأت لنازك الملائكة وجبران، وكان لبهاء طاهر حضور في ذكريات قراءاتي الأولى برواية "خالتي صفية والدير" وغصبت في أحداثها حتى حلمت النيل يسري أمام عيني!منذ تعرفت على معرض الكتاب وأنا أحلم بأن أشتري كل كتب المعرض! قد كبرت تلك الأمنية في عقلي الصغير إلى حلم العمل في مكتبة، وقد تتخيلون كم من وقت العمل سأقضيه فالقراءة مسحورة متناسية وظيفتي! كذا كان اشتراكي في جماعة المكتبة هي الفرصة المناسبة للذهاب لمعرض الكتاب صباحاً برحلة مدرسية- ومن زار معرض الكتاب صباحاً يدرك ولعي! - حيث لا زحام ولا اختناق، تعلمت الكثير من جماعة المكتبية بمدرسة شاطئ القرم، صحيح أنها لم تكن جماعة ذات فعاليات وأنشطة عديدة كما أتمنى، وكانت استعارة الكتب وإعادة تنظيمها أهم ما يدور في أشهر قد تطول، لكن لا يمكنني أن أنكر المعرفة التي اكتسبتها خلال عامين بجماعة المكتبية!لا أخفي عليكم أني مازلت أرتب مكتبتي الصغيرة الخاصة بنظام ديوي العشري بصورة مبسطة، قد أصحب تنظيم المكتبة بهذه الطريقة - وهي التي استخدمت في مكتبة المدرسة- هي الطريقة التلقائية لدي لتنظيم مكتبتي! بعض الخبرات تتراكم وتخرج بصوره تلقائية منا دون أن ندري، قد يكون معرض الكتاب دافعاً لي للتأمل في مكتبتي البسيطة حاملة نسختي من سلسلة أيام عربية للمنسي قنديل يحكي لي فيها قصة يوم ذي قار! وللكتاب الأول سحرٌ لا فلاة منه... ومازلت أبحث عن كتاب يدهشني.

نشر هذا المقال في جريدة الوطن ملحق اشرعة بتاريخ 2 مارس 2010

إيمان فضل